التحكيم الدولي

اتـفـاق التـحـكـيــم

شروط التحكيم ومشارطه التحكيم :-                                                   

 يقصد باتفاق التحكيم الدولي ذلك الاتفاق الذي يتعهد بمقتضاه أطراف العلاقة التجارية بعرض منازعاتهم التى نشأت أو ستنشأ أومن المحتمل أن تنشأ مستقبلا عن العلاقة على التحكيم . . ويتخذ اتفاق التحكيم إحدى صورتين:

الصورة الاولى : هى الصورة الاسبق ظهورا واعترافا بها .وهى صورة مشارطة التحكيم وهى :اتفاق أطراف العلاقة التجارية عقد مستقل على عرض المنازعات التى نشأت بالفعل على التحكيم .

الصورة الثانية: وهى الصورة الاحدث ظهورا واعترافا بها ؛وفى نفس الوقت الاكثر ذيوعا وانتشارا؛وهى صورة شرط التحكيم وهو: اتفاق أطراف العلاقة التجارية بموجب نص فى العقد المبرم بينهم على عرض المنازعات التى من المحتمل أن تنشأ عن مستقبل هذه العلاقة على التحكيم .

واذا كان اتفاق التحكيم التجارى يتخذ احدى الصورتين السابقين ,فان التعبير السائد فى القوانين الوطنية,والمعاهدات الدولية الخاصة بالتحكيم عن كلتا الصورتين هو تعبير”اتفاق التحكيم”,وهو يضم بين طياته هاتين الصورتين دون تفرقة بينهما فى المعاملة القانونية.                                                                                                                                  

ففى قوانين التحكيم التجارى فى الدول المختلفة نتبين بوضوح التعبير عن الصورتين التقليديتين بتعبير واحد وهو ” اتفاق التحكيم ” .

ففى التشريع الفرنسى للتحكيم الدولى الصادر فى 12 مايو 1981,استخدم المشرع الفرنسى _فى باب الخامس والمعنون بالتحكيم الدولى_عبارة :”اتفاق التحكيم دون اعتبار للتفرقة الكلاسيكية السائدة فى القانون الفرنسى بين “شرط التحكيم ومشارطة التحكيم “. امعانا فى وحدة المعاملة القانونية لصورتى اتفاق التحكيم فى مواد التحكيم الدولى,وليس لمجرد الرغبة فى ضمهما تحت عنوان واحد.

وفى الولايات المتحدة الامريكية :وحد قانون التحكيم الفيدرالى الامريكى 1925 بين صورتين اتفاق التحكيم حينما قرر فى مادته الثانية صحة كل من شرط التحكيم المكتوب فى اى عقد بحرى أو تجارى لعرض المنازعات الناشئة عنه أو بعضها على التحكيم , ومشارطة التحكيم .                                               

وأخيرا:فقد وضع قانون التحكيم المصرى 1994 كلمن شرط التحكيم ومشارطة على قدم المساواه حين قرر فى مادته العاشرة أن :”اتفاق التحكيم هو اتفاق الطرفين على الالتجاء الى التحكيم لتسوية كل أو بعض المنازعات التى نشأت أو يمكن أن تنشأ بينهما بمناسبة علاقة قانونية معينة عقدية كانت أو غير عقدية” كذلك حرصت المعاهدات الدولية المتعلقة بالتحكيم على ابراز وحدة المعاملة القانونية لكل من شرط التحكيم ومشارطة التحكيم .

فقد قررت اتفاقية نيويورك 1958 بشأن الاعتراف وتنفيذ أحكام المحكمين الدولية فى الفقرة الاولى من مادتها الثانية أن :”على كل دولة موقعة الاعتراف بالاتفاق المكتوب الذى يلتزم بمقتضاه الاطراف بأن يخضعوا للتحكيم كل أو بعض المنازعات الناشئة أو التى قد تنشأ بينهم بشأن موضوع من روابط القانون التعاقدية المتعلقة بمسألة يجوز تسويتها عن طريق التحكيم”.                                                                                                         

كذلك قررت اتفاقية الاوربية للتحكيم التجارى الدولى 1961 فى مادتها الاولى فى فقرتها الاولى ,وهى بصدد تحديدها لنطاق تطبيقها أنها تطبق على اتفاقات التحكيم التى تبرم لتسوية نزاعات نشأت أو ستنشأ , كما تطبق على اتفاقات التحكيم السابق على قيام النزاع,والذى يوقعه الاطراف أو الذى يرد فى مراسلات أو برقيات أو تلكسات.                                     

وأخيرا: فان القانون النموذجى 1985 قد سوى كذلك بين شرط التحكيم ومشارطة التحكيم حينما عرف اتفاق التحكيم فى مادته السابعة فى فقرتها الاولى  بأنه” اتفاق بين الطرفين على أن يحيلا الى التحكيم   ,جميع    أو  بعض المنازعات المحددة التى  نشأت أو قد تنشأ بينهما بشأن علاقة قانونية  محددة …ويجوز أن يكون اتفاق التحكيم فى صورة     شرط تحكيم     وارد فى عقد أو فى صورة اتفاق منفصل……”.                                 

وهكذا فان التشريعات الوطنية المتعلقة بالتحكيم فى كل من فرنسا:وانجلترا,والولايات المتحدة الامريكية:ومصر :وكذلك المعاهدات الدولية حول التحكيم التجارى الدولى تعرف وحدة فيما يتعلق بالمعاملة القانونية لصورتى اتفاق التحكيم من شرط تحكيم ومشارطة تحكيم , بحيث يعبر عن الصورتين بتعبير واحد : “اتفاق التحكيم” وذلك لعدم وجود مبرر للتفرقة بينهما .حيث لاتقدم هذه التفرقة فى مجال التحكيم الدولى الدولى أية أهمية عملية,فسواء تعلق الامر بقواعد تنازع القوانين ,أو بالقواعد الموضوعية ,وسواء وجدت هذه القواعد الموضوعية مكانها فى القانون العام للتحكيم الدولى ,أو فى المعاهدات الدولية,فان الحلول الصحيحة ,والمواقف السليمة للتحكيم الدولى ,والتى يتكون منها نظامه القانونى الخاص به لاتختلف تبعا لما اذا نتج الخضوع للتحكيم عن أو مشاطة تحكيم.                                                                           الرضا باتفاق التحكيم ومجموعة العقود:                                 

 الرضا باتفاق التحكيم التجارى هو تقابل ارادة طرفى هذا الاتفاق على اتخاذ التحكيم وسيلة لفض المنازعات الناشئةأو التى  يمكن أن تنشأ مستقبلا بينهما.                                                 

والغالب أن يقع التعبير عن هذه الارادة صريحا ,فيبرم الاطراف مشارطة تحكيم يتفقون فيها على احالة النزاع الذى نشأ بينهم الى التحكيم ,أو ينصون فى العقد الاصلى على اللجوء للتخكيم عند قيام النزاع , أو يوقعون المشارطة أو العقد النموذجى الذى يتضمن شرط التحكيم ,أو يتبادلون الوثائق المكتوبة كالرسائل أو البرقيات أو غيرها من وسائل الاتصال الحديثة والتى تظهر بوضوح ابرامهم لاتفاق التحكيم .                                                               وفى جميع الاحوال ,ولما لشرط التحكيم من أهمية يلزم أن تكون ارادة الاطراف على اللجوء للتحكيم صريحة وواضحة .غير أن التعبير عن الارادة لا يقع دائما بمثل هذه الصراحة فيثير تفسير هذه الارادة بعض الصعوبات.                                                                 

فامتداد لفكرة مجموعة الشركات كاحدى الافكار الكبرى الناجمة عن المشروعات الاقتصادية الكبيرة , ظهرت على السطح القانونى وفى الواقع العلمى فكرة أخرى كبيرة, وهى فكرة مجموعة العقود “Les groupes de contrats فكثيرا ما تجمع عدة عقود حول محل واحد, تتعاقب عليه ويكون الاخرى فى تنفيذ هذه الالتزامات أو تساعد عليها أو تقدم الضمان اللازم لتمام تنفيذها.

وعلى هذا فان مجموعة العقود تعرض فى صورتين :

 (الاولى) صورة المجموع العقدى“Les ensembles contractuels” وفيه تتضافر العقود المتعددة لتحقيق واحد مشترك رغم اختلاف أطرافها, مكونة بذلك ائتلافا عقديا متناسقا ,كما هو الحال فى العقود التى تربط عدة مقالين أصليين بصاحب عمل واحد,أو العقود التى تربط عدة مقاولين من الباطن بمقاول أصلى واحد,أو العقود التى تربط مهندسين مدنين ومكانيكين بصاحب عمل واحد يشتركون فى وضع التصميمات لمشروع معين.وفى الصورة توجد رابطة بين أطراف متعددين فى أحد الجانبين أو كليهما.

( الثانية ) صورة سلسلة العقود “Les Chaines be Contrats”وفى هذه الصورة تتبابع العقود على ذات المحل رغم اختلاف أطرافها مكونة بذلك سلسلة عقدية متصلة ,كمت هو الحال فى العقود المبرمة بين كل من صاحب العمل والمقاول الاصلى,وبين المقاول الاصلى مع مقاول الباطن الاول , وبين هذا الاخير ومقاول الباطن الثانى …

وفى هذه الصورة تتعلق العقود بعمل واحد أو بمشروع واحد أنها تجمع أطرافا متعددين.

وقد اتجه الفقه الحديث الى هذه الظاهرة فى صورتيها تحت مسمى جامع هو”مجموعة العقود”.

 وقد كشفت هذه الدراسة عن نوع من التبعية ,المتبادلة أحيانا والمنفردة أحيانا أخرى ,بين عقود المجموعة العقدية الواحدة, يجعل منها كلا واحدا يصعب الفصل بين وحداته قانونيا واقتصاديا .الامر تمثله المجموعة دون حاجة لان يكونوا أطرافا فى بقية العقود الداخلة فى المجموعة,خلافا لما يفرضه منطق نسبية أثر العقود بمفهومه التقليدى المستقر.

بيد أن فكرة “مجموعة العقود”قد أثارت العديد من التساؤلات وعلى رأسها التساؤل بشأن اتساع نطاق شرط التحكيم المنصوص عليه فى أحد العقود الى أطراف ومنازعات عقد اخر من عقودها لم ينص على شرط التحكيم ولم يحل اليه ,وبمعنى اخر هذا يمتد شرط التحكيم الوارد فى عقد من عقود المجموعة ليندمج فى  غيره من العقود الاخرى فى المجموعة ,فيذهب الجميع الى التحكيم كأطراف متعددين فى القضية الواحدة ,أم يقتصر أثر اتفاق التحكيم على أطراف العقود الاخرى لم يوقعوا عليه ولم يحيلوا الى شرط التحكيم الوارد به ؟

فمثلا اذا كان هناك عقد مقاولة طرفاه صاحب العمل والمقاول,وعقد مقاولة من الباطن طرفاه المقاول والمقاول من الباطن , وكان أحد العقدين يشتمل على شرط التحكيم غير منصوص عليه فى العقد الاخر أو غير مشار اليه فى الاخر ,فاذا لم يقم المقاول من الباطن بتنفيذ التزاماته فى عقد المقاولة من الباطن ,وأراد بالتنفيذ,أو أن يرجع عليه بالتعويض,فهل يكون له وعليه أن يلجأ الى التحكيم انفاذا لشرط التحكيم المنصوص عليه فى عقد المقاولة من الباطن رغم أنه ليس طرفا فيه ؟ وبالمثل اذا ماأراد المقاول من الباطن الرجوع على صاحب العمل , فهل له أن يلجأ الى التحكيم اعمالا لشرط التحكيم المنصوص عليه فى عقد المقاولة رغم أنه ليس طرفا فيه ؟

ومثلا اذاكان هناك عقد ايجار لسفينة بين مالكها المؤجر والمستأجر يحتوى شرط تحكيم ثم قام المستأجر بدوره بتأجيرها من الباطن لمستأجراخر بموجب عقد ايجار من الباطن لا يحتوى شرط تحكيم ولم يشر الى شرط التحكيم الوارد فى المشارطة الاصلية فهل يمتد شرط التحكيم الوارد فى المشارطة الاصلية ليندمج فى مشارطة الايجار من الباطن؟وبالمثل اذا قام هذا المستأجر من الباطن بابرام عقود نقل لشاحنين بموجب سندات شحن لاتحتوى على شرط التحكيم ولم تشر تحكيم المشارطة ليشمل منازعات سندات الشحن؟,وأخيرا هل يمتد شرط التحكيم الوارد فى عقد النقل المبرم بين الناقل والشأحن الى المرسل اليه حامل سند الشحن بعد انتقاله اليه رغم أنه لم يكن طرفا فيه ولم يوقع عليه؟

استقرت القوانين الوطنية المتعلقة بالتحكيم,والمعاهدات الدولية ذات الصلة,والأحكام القضائية والتحكيمية على الانحياز الى فكرة الأثر النسبى لاتفاق التحكيم كعقد عظيم الأثر لا تنصرف اثاره الا  الى أطراف الذين ارتضوا التحكيم لحل منازعاتهم ,والابتعاد عن فكرة الوحدة الاقتصادية لمجموعة العقود,وذلك برفض مد شرط التحكيم الوارد فى عقد الى غيره من عقود المجموعة الا اذا أحال العقد الخالى من شرط التحكيم الى العقد المتضمن شرط التحكيم احالة من شأنها أن تدمجه فى العقد الاول.وذلك كما يلى:

أولا : أثر مجموعة العقود على نطاق اتفاق التحكيم الدولي فى القوانين والمعاهدات :

انحازت الاتفاقيات الدولية والقوانين التحكيمية الوطنية الى رفض الامتداد التلقائى لشرط التحكيم الوارد فى عقد من عقود المجموعة الى غيره من العقود الأخرى فى المجموعة,بحيث لا يلتزم بهذا الشرط الا أطرافه الذين وقعوا على العقد الذى  يحتويه,اللهم الا اذا الشرط وأحال اليه احالة تفيد التزام أطراف هذا العقد الخالى من شرط التحكيم بهذا الشرط الموجودفى العقد الاخر.

فالمادة (2/22) من اتفاقية الأمم المتحدة لنقل البضائع بالبحر1978 (هامبورج1978) تنص على أنه:”اذا تضمنت مشارطة الايجار نصا على احالة المنازعات الناشئة بموجبها الى التحكيم ,وصدر سند استنادا الى مشارطة الايجار دون أن يتضمن شرطا واضحا أو صريحا يفيد أن هذا النص يلزم حامل سند الشحن ,فلا يجوز للناقل الاحتجاج بهذا تجاه حامل سند الحائز له بحسن نية”.

وهكذا فان الاحتجاج بشرط التحكيم الوارد فى مشارطة الايجار على حامل سند الشحن,وامتداد اليه,سيكون فقط اذا حدد ذلك السند بواسطة “شرط واضح”أنه سيحتج على حامل السند بهذا الشرط التحكيمى نتيجة مده اليه.

وكذلك تضمن كل من قانون التحكيم المصرى فى المواد المدنية والتجارية 1994,(م10/3)وقانون التحكيم الانجليزى الجديد 1996\,(م6/2)نصا متطابقا مع نص

المادة(7/2)من القانون النموذجى  للجنة الأمم المتحدة للقانون التجارى الدولى (U.N.C.I.T.R.A.L) 1985 يقضى بأن :”يعتبر اتفاقا على التحكيم كل احالة ترد فى العقد الى وثيقة تتضمن شرط التحكيم اذا كانت الاحالة واضحة فى اعتبار هذا الشرط جزءا من العقد”.

وعلى هذا فان كلا من قانون التحكيم المصرى 1994,وقانون التحكيم الانجليزى 1996 جريا وراء مصدرهما المشترك وهو القانون النموذجى 1985 قد قررا عدم مد شرط التحكيم الوارد فى أحد العقود الى عقد اخر الا وفق أحالة واضحة من العقد الاخير للعقد الاول يستشف منها اعتبار شرط التحكيم الوارد فى العقد الاول جزءا من العقد التانى.

ثانيا: أثر مجموعة العقود على نطاق اتفاق التحكيم الدولي فى القضاء الوطنى والتحكيمى:

استقر القضاء الوطنى والتحكيمى على عدم مد شرط فى أحد العقود الى غيره من عقود المجموعة الا اذا أحال هذا العقد الخالى من شرط التحكيم الى العقد المشتمل على شرط التحكيم احالة تدمج هذا فى ذاك استنادا على فكرة الرضا باتفاق التحكيم  وابتعادا عن فكرة الوحدة الاقتصادية لمجموعة العقود.

بيد أن القضاء قد اختلف بشأن طبيعة هذه الاحالة فى العقد الخالى من شرط التحكيم الى العقد الاخر المتضمن شرط التحكيم ,واذا ما كانت احالة عامة الى هذا العقد الاخير ككل دون تحديد ,أو احالة خاصة الى شرط التحكيم الموجود به تحديدا وذلك كما يلى:

الاكتفاء بالاحالة العامة لمد نطاق شرط التحكيم .

يذهب هذا الاتجاه القضائى الى الاكتفاء باحالة العقد الخالى من شرط التحكيم الى العقد الاخر المتضمن شرط التحكيم احالة عامة دون تحديد لشرط التحكيم الوارد به,وذلك حتى يمتد هذا الشرطالتحكيمى من العقد الذى يتضمنه الى العقد الاخر .ويذهب الى هذا الاتجاه القضاء المصرى ,وبعض الاحكام القضائية الانجليزية والامريكية .

 فقد تعرضت محكمة النقض المصرية مرات عديدة لهذه المسألة قبل صدور قانون التحكيم المصرى 1994 استقرت فيها أحامها على أن احالة سندات الشحن الى مشارطة الايجار,وسواء أكانت احالة عامة الى المشارطة أو احالة خاصة الى شرط التحكيم الوارد فيها,من شأنها أن تجعل شرط التحكيم الوارد بالمشارطة مندمجا فى سند الشحن وملزما لحامله أو للمرسل اليه باعتباره طرفا اذا شأن فى سند الشحن يتكافأ مركزه, ومركز الشاحن حينما يطالب بتنفيذ عقد النقل باعتباره,أى المرسل اليه ,صاحب المصلحة فى عملية الشحن ,وبالتالى يرتبط بالسند كما يرتبط به الشاحن , ومنذ ارتباطه به.                                                                          كما ذهبت محكمة النقض المصرية أنه لا يشترط فى حالة صدور سند الشحن محيلا احالة عامة الى شروط مشارطة الايجار أن يكون الشاحن قد وقع سند الشحن الذى لا يعدو أن يكون فى هذه الحالة ايصالا باستلام البضاعة وشحنها على ظهر السفينة حتى يلزم المرسل اليه بشروط مشارطة الايجار التى صدر سند الشحن بموجبها , ومن بينها شرط التحكيم باعتباره طرفا ذا شأن فى النقل يتكافأ مركزه ومركز الشاحن مستأجر السفينة عندما يطالب بتفيذ العقد الذى تثبته المشارطة.

وفى انجلترا ذهبت بعض الاحكام الى أن الاحالة العامة الواردة فى سند الشحن الى مشارطة الايجار يمكن أن تدمج شرط التحكيم الوارد فى المشارطة فى سند الشحن , وذلك اذا كان شرط التحكيم الوارد فى المشارطة يأتى منسجما مع التطبيق على منازعات سند الشحن الصادر بموجبها .

ففى دعوى “The Merak”كان شرط التحكيم الوارد بمشارطة الايجار ينص على أن “أى نزاع ينشأ عن هذه المشارطة,أو أى سند شحن تنفيذا لها سيحال الى التحكيم .وكان شرط الاحالة الوارد فى سند الشحن هو شرط احالة عام على هذا السند “. وهنا قضت محكمة الاستئناف الانجليزية بأن شرط التحكيم الوارد بالمشارطة هو شرط واضح يحوى عبارة :”أو أى سند شحن صادر تنفيذا لها”,وهو بهذا يجعل شرط التحكيم الوارد بمشارطة الايجار مندمجا فى سند الشحن .

 وفى الولايات المتحدة الامريكية ذهبت بعض الأحكام القضائية الى نفس الاتجاه الذى يكتفى بالاحالة العامة لادماج شرط  تحكيم المشارطة فى سند الشحن الصادر بموجبها والخالى من شرط التحكيم:

ففى دعوى “Cargil” قضى بأن :”شرط التحكيم الوارد فى المشارطة الايجار يندمج بطريقة صحيحة فى سند الشحن الصادر عن المستأجر حتى بالرغم من أن السند كان قد قصر فى الاحالة الخاصة للمشارطة ,والتى تتضمن شرط التحكيم بأن ذكر فى شرط الاحالة اسم المشارطة فقط”.

وفى دعوى “LOWry”قضى بأن :”شرط الاحالة الذى ينص على أن _كل الشروط والاعفاءات كما فى المشارطة _ وان كان المدعى قد زعم أنة لم يكن واضحا بما فية , وكان مبهما وغير محدد,ولذا لا يمكن الاحتجاج عليه بشرط التحكيم الوارد بالمشارطة ,الا أن هذه الاحالة كافية ومحددة وتسمح بالاحتجاج بشرط التحكيم الوارد بالمشارطة على حامل سند الشحن”.

وهكذا فان هذا الاتجاه يكتفى بالاحالة العامة الواردة فى أحد العقود للعقد الاخر بصفة عامة دون تحديد الوارد فيه,للقول بمد شرط التحكيم الى العقد الذى لا يشتمل عليه.

2- وجوب الاحالة الخاصة لمد نطاق شرط التحكيم الدولي :                                   

يذهب هذا الاتجاه القضائى الى عدم الاكتفاء بالاحالة العامة الواردة فى العقد الخالى من شرط التحكيم الى العقد الاخر الذى يحتوى شرط التحكيم ,لمد نطاق هذا الشرط من هذا العقد الى ذلك,اذ لابد لهذا المد من أن تكون الاحالة واضحة وصريحة ومحددة الى شرط التحكيم الوارد فى العقد الذى يحتويه لا الى العقد فى مجمله دون تحديد .ويذهب الى هذا الاتجاه القضاء الوطنى والتحكيمى الفرنسى ,وبعض الاحكام القضائية الانجليزية والامريكية .

ففى فرنسا استقر القضاء الوطنى وقضاء غرفة التحكيم البحرى بباريس على ضرورة احالة سند الشحن الخالى سند الشحن الخالى من شرط احالة واضحة وصريحة ومحددة الى شرط تحكيم المشارطة ,أو أن يرفق نص المشارطة بالسند ,أو أن يتم ابلاغ حامل السند بنص المشارطة المذكورة بطريقة ثابتة ومؤكدة لا تدع مجالا للشك فى أن الحامل قد علم بشرط التحكيم الوارد بالمشارطة ,وأبدى رضاء كاملا بهذا الشرط .                                                     

ففى دعوى “Aspilos”, كانت محكمة استئناف”Rouen”قد اكتفت للاحتجاج على حامل سند الشحن بشرط التحكيم الوارد بمشارطة الايجار بالاحالة العامة الموجود بالسند الى شروط المشارطة ,مقررة أن حامل السند يحتج عليه بشرط تحكيم المشارطة اذ لا يمكنه الدفع بعدم علمه بها لأن “سند الشحن قد أحال بصراحة ووضوح الى مشارطة الايجار محددا تاريخها,ومقررا أن  أجرة النقل تحسب بالطريقة الموضحة بالمشارطة تندمج فى هذا السند”.                                                                                                                

فلما رفع الأمر الى محكمة النقض نقضت الحكم السابق مقررة أن :” حامل سند الشحن الصادر بموجب مشارطة الايجار لايمكن الاحتجاج عليه بشرط التحكيم الوارد بالمشارطة ,لأن هذا السند لم يكن موجودا بالسند ,فضلا عن أنه لم يكن محلا لقبول مؤكد من جانب حامله”,ثم أحالت القضية الى محكمة استئناف باريس ,والتى أكدت المبدأ الثابت والمستقر مقررة أن :”الاحالة البسيطة بطريقة عامة الى نصوص وشروط واعفاءات المشارطة ,وحتى لو كانت قد حددت أنها مندمجة فى السند ,لا تكفى للقول بوجود قبول مؤكد لدى حامل السند بشرط تحكيم المشارطة طالما لم يكن هذا الشرط موجودا بالسند , ولم تكن المشارطة مرفقة بهذا السند “.                                                                        

وفى قضاء غرفة التحكيم البحرى بباريس استقرت الاحكام التحكيمية على استلزام الاحالة الخاصة الى شرط التحكيم ليحتج به على أطراف العقد الاخر الذى أحال الى العقد الذى يحتويه ,وذلك لأن هذه الاحالة الخاصة تنهض دليلا على العلم الكافى بهذا الشرط التحكيمى فى حق حامل السند ,,لينهض هذا العلم بدوره ,دليلا على رضاه بشرط التحكيم والتزامه به.

وفى انجلترا ذهبت معظم الأحكام القضائية الى نفس الاتجاه الذى يتطلب الاحالة الخاصة الى شرط التحكيم لا الى العقد فى مجمله:

 ففى دعوى “The Rena K” كان شرط الاحالة الوارد بسند الشحن يقضى بأن :”كل النصوص والشروط والاعفاءات , بما فيها شرط التحكيم ,كما وردت بالمشارطة”,وكانت مشارطة الايجار تتضمن شرط تحكيم ,وهنا قضت المحكمة الانجليزية بأن هذه الا حالة الخاصة لشرط التحكيم الوارد بالمشارطة تلزم حامل سند الشحن بهذا الشرط التحكيمى “.

أما اذا كانت الاحالة الواردة بالسند احالة عامة الى المشارطة ,فاذا كانت بعض الأحكام قد اكتفت بهذا لامتداد شرط التحكيم ,الا أن معظم الأحكام قد رفضت هذا الامتداد بموجب هذه الاحالة العامة:                                                                                                                                

ففى دعوى “Hamilton”,كان شرط الاحالة الوارد فى السند ينص على أن :         

                                   ” كل النصوص والشروط الأخرى كما وردت بالمشارطة “,وكان شرط التحكيم الوارد فى المشارطة فى سند الشحن _ وذلك لأنه فضلا عن عمومية هذه الاحالة , فان شرط تحكيم المشارطة لايظهر منه أنه يمكن تطبيقه على منازعات سند الشحن اذ يتعلق فقط بالمنازعات الناشئة عن المشارطة , ولا يمتد للمنازعات الناشئة عن عقد النقل .                                                  

كذلك فى الولايات المتحدة الأمريكية استخدمت بعض المحاكم الأمريكية نفس الأسلوب الانجليزى فى اشتراط الاحالة الخاصة وعدم الاكتفاء بالاحالة العامة فى بعض الاحيان                                   

ففى دعوى “Associated Metals”قضى بأن :” سند الشحن قد أحال بطريقة غير كافية الى مشارطة الايجار ,ولهذا فان شرط التحكيم الوارد بها لا يندمج فى سند الشحن ,وذلك لأن السند وان أحال الى المشارطة مرات عديدة الا أنه لم يعين أطرافها أو تاريخها أو مكان ابرامها, كما لا توجد فى السند أية اشارة الى التحكيم أو الى ادماج شرط التحكيم الوارد بالمشارطة فى سند الشحن”.

أما اذا كانت الاحالة عامة الى شرط تحكيم المشارطة ,فأنه اذا كانت بعض  الأحكام قد اكتفت بها لمد نطاق شرط التحكيم ,الا أن بعض الأحكام الأخرى لم تأخذ بها لاجازة هذا المد .

ففى دعوى “Alucentro” قضى بأن :”شرط التحكيم الوارد بمشارطة الايجار المندمج صراحة فى سند الشحن يطبق على غير الموقعين على المشارطة, وليس فقط على الملاك والمستأجرين , ويلزم الشاحن بالتحكيم فى المنازعات الناشئة عن سند الشحن”. وهكذا فان هذا الاتجاه لا يكتفى بمجرد احالة العقد الخالى من شرط التحكيم احالة عامة الى العقد الاخر المتضمن شرط التحكيم هذا الشرط اليه,وانما يستلزم احالة خاصة الى شرط التحكيم نفسة لتنهض هذه الاحالة الخاصة دليلا على العلم به ومن ثم الرضا والالتزام به.


أهلية أو سلطة ابرام اتفاق التحكيم الدولي

أبدت القوانين الوطنية وحدة كبيرة فيما يتعلق بأهلية الأطراف للجوء للتحكيم . فلم تقرر أى دولة شروطا خاصة بالاهلية اللازمة لابرام اتفاق التحكيم.                                                                   

 ففى كل الأحوال تطبق هذه القواعد العامة المتعلقة بأهلية الأشخاص الطبيعية والمعنوية لابرام العقود بوجه عام .                                                                                                           

ولا يثير شرط غالبا فى أطراف اتفاقات التحكيم التجارى من العاملين فى المجال التجارى, ولكن يهمنا هنا البحث فى أهلية أو سلطة الوكيل أو المحامى أو السمسار فى ابرام اتفاق التحكيم .

(اولا): أهلية الدولية أو الأشخاص المعنوية العامة لابرام اتفاق التحكيم :

ازداد تدخل الدول أو اشخاصها المعنوية العامة – فى هذا العصر – فى الحياة التجارية الدولية حيث تلاشت فكرة الدولة الحارسة ,وحلت محلها فكرة الدولة التاجرة, والدولة الناقلة, والدولة الشاحنة .

وهنا يثور التساؤل عن أهلية الدولة أو أشخاصها المعنوية العامة لابرام هذا الاتفاق التحكيمى بما قد يجره من تداعيات خاصة بالحصانة القضائية لهذه الدولة أو تلك سواء أمام القضاء التحكيمي أو أمام القضاء الوطنى قبل أو أثناء أو بعد اللجوء الى التحكيم المتفق عليه . وسنفصل هذه المسألة فى المعاهدات الدولية ثم فى القوانين الوطنية .

(1)أهلية الدولة أو أحد أشخاصها المعنوية العامة لابرام اتفاق التحكيم فى المعاهدات الدولية :                                                                              

لم تتضمن اتفاقية نيويورك 1958 بشأن الاعتراف وتنفيذ أحكام المحكمين الدولية أى نص حول أهلية الدولية أو الأشخاص المعنوية العامة لابرام اتفاقات التحكيم حيث تركت المادة الخامسة فى فقرتها الأولى هذه المشكلة للقانون الذى يطبق على الأطراف حيث قررت هذه الماده رفض الاعتراف بحكم التحكيم وتنفيذه اذا أقام المطلوب ضده التنفيذ الدليل على أن أطراف اتفاق التحكيم كانوا طبقا للقانون الذى ينطبق عليهم فى احدى صور عدم الأهلية .وهذا يقرر أن لكل دولة أن تأخذ فى هذا الموضوع بالقاعدة التى تقررها  دون أى التزام دولى عليها فيما يختص بما اذا كانت الدولة تملك أو لا تملك سلطة ابرام الاتفاقات التحكيمية.                                                                                                 

 وتحت عنوان” أهلية الأشخاص المعنوية العامة للخضوع للتحكيم ” نصت الاتفاقية الأوربية للتحكيم التجارى الدولى 1961 فى مادتها الأولى فى فقرتها الأولى على أهلية الأشخاص المعنوية العامة لابرام اتفاقات التحكيم الا أنها عادت وقررت فى فقرتها الثانية المعنوية العامة لابرام اتفاقات التحكيم الا أنها عادت وقررت فى فقرتها الثانية ترك تحديد هذه المسألة وتقرير شروطها ,ونطاقها الى الدول الموقعة مما لم يجعل لهذه الفقرة الثانية سوى فائدة جزئية فيما يتعلق بما ورد فى الفقرة الاولى من تقرير مبدأ أهلية الاشخاص المعنوية العامة للخضوع للتحكيم.

وأخيرا تجدر الاشارة الى أن القانون النموذجى للتحكيم التجارى الدولى للجنة الامم المتحدة للقانون التجارى الولى 1985 لم يتضمن أى نص حول هذه المسألة, وننوه رغم ذلك الى أنه قد نص فى مادته الاولى فى فقرتها الخامسة على أنه :”لا يمس هذا القانون أى قانون اخر للدولة التى تتبناه لا  يجوز بمقتضاه تسوية منازعات معينة بطريق التحكيم أو لا يجوز عرض منازعات معينة بطريق التحكيم أو لا يجوز عرض منازعات معينة على التحكيم الا طبقا لاحكام أخرى غير أحكام هذا القانون” .وبالتالى فان هذا النص يقرر عدم مساس القانون النموذجى بالقواعد القانونية أو القضائية للدولة التى تتبنى هذا القانون فيما يتعلق بمسألة سلطة الدولة أو الاشخاص المعنوية العامة لابرام اتفاقات التحكيم.                                

(2)أهلية أو سلطة الدولة أو الأشخاص المعنوية العامة لابرام اتفاق التحكيم فى القوانين الوطنية:

(أ) فرنسا:

 كانت المادة (1004) من قانون المرافعات الفرنسى القديم تقضى بعدم جواز ابرام الاتفات التحكيمية بصدد المنازعات التى كان القانون يشترط ابلاغها للنيابة العمة ,وقد حددت المادة(83) من ذات القانون هذه المنازعات وذكرت من بينها المنازعات التى تكون أحد أطرافها الدولة أو الدومين العام أو البلديات أو المؤسسات العامة .وبالتالى فان الدولة يحظر عليها ابرام اتفاقات التحكيم بنوعها أى سواء كانت المشارطة أو شرط التحكيم, وقد استمر هذا الحظر حتى بعد التعديلات الحديثة التى أدخلت على القانون المدنى الفرنسى عام 1975 اذ لازالت المادة(206) مدنى فرنسى تحظر التحكيم بشأن المنازعات التى تتعلق بالدولة أو بالهيئات والمؤسسات العامة ,وتشترط بالنسبة للمشروعات العامة الصناعية والتجارية الترخيص بها بمرسوم فى اللجوء للتحكيم ,ولم يصدر مثل هذا المرسوم حتى الان . وبالرغم من الغاء نصوص  قانون المرافعات الفرنسى القديم واستبداله بقانون المرافعات الفرنسى الجديد الا أن منع الدولة أو الاشخاص المعنوية العامة من أن تكون طرفا فى اتفاق تحكيم مازال ساريا بنص المادة (206) مرافعات والذى يقرر عدم امكانية اللجوء للتحكيم بصدد المنازعات المتعلقة بالاشخاص العامة والمؤسسات العامة , واللأشخاص العامة هى الدولة وأقاليمها الادارية ,والمؤسسات العامة تعنى الأشخاص المعنوية العامة,والمؤسسات الصناعية والتجارية ,وبالتالى فان منع الدولة والأشخاص المعنوية العامة من ابرام اتفاق التحكيم مازال ساريا فى النصوص التشريعية الفرنسية . ولكن هذه القاعدة التشريعية الفرنسية قد قلبت رأسا على عقب عن طريق القضاء الفرنسى فى مواد التحكيم الدولى ,والذى قرر , دون نص,خصوصية هذه القاعدة التشريعية للاتفاقات التحكيمية الداخلية , بحيث لا يمتد هذا المنع للدولة والأشخاص المعنوية العامة الى الاتفاقات التحكيمية الدولية .

معتبرا فى البداية أن الأحكام التى تقرر منع الدولة من أن تبرم اتفاقا تحكيميا _يجوز مخالفتها حيث لا تعد من قبيل النظام العام الدولى , ثم معتبرا المسألة تخضع لقواعد تنازع القوانين ليستبعد بموجب قواعد التنازع تطبيق أحكام القانون الفرنسى فى هذا الخصوص ,وليطبق أحكام قوانين أخرى تجيز   صحة شرط التحكيم المبرم بواسطة الدولة أوة أحد الأشخاص المعنوية العامة ,ثم فى النهاية مستبعدا منهج التنازع كلية ,ومقررا قاعدة موضوعية من قواعد قانون التحكيم الدولى مؤداها صحة شرط التحكيم المبرم بواسطة الدولية أو أحد الأشخاص المعنوية العامة بصدد منازعات التجارة الدولية ودون اعتبار للقانون الداخلى الفرنسى أو الاجنبى المطبق على التحكيم .                                    (ب) انجلترا:                                                                                    

 ان أهلية الدولة أو الأشخاص المعنوية العامة لابرام اتفاق التحكيم التجارى مقررة وثابتة فى انجلترا بموجب النصوص القانونية حيث يملل التاج البريطانى الحق فى أن يكون طرفا فى اتفاق تحكيم نص المادة(30) من قانون التحكيم الانجليزى 1950,والمادة السابعة من قانون التحكيم الانجليزى 1979,والتى تقرر تطبيق أحكام قوانين التحكيم الانجليزى على اتفاقات التحكيم التى تكون الدولة طرفا فيها. وبالتالى فانه من المستقر عليه فى انجلترا عدم السماح للدولة أو الأشخاص المعنوية العامة  بالدفع بحصانتها القضائية أمام التحكيمى بصدد الاتفاقات التحكيمية المبرمة_من باب أولى _لتسوية منازعات معاملات التجارة الدولية.                                                                   

(ج) الولايات المتحدة الامريكية:

 تقررت أهلية الدولة أو الأشخاص المعنوية فى الولايلت المتحدة لابرام اتفاقات التحكيم بواسطة القضاء الأمريكى ,ذلك بصدد الاتفاقات التحكيمية فى منازعات المعاملات التجارية الدولية الخاصة أى التى تشترك فيها الدولة للقيام بعمل من أعمال الادارة وليس من أعمال السيادة,ولهذا فان المحاكم الفيدرالية العربية المتحدة وفيتنام ورفضت ادعاء هذه الحكومات بالتملص من اتفاقاتها التحكيمية للتمسك بحصانتها القضائية,مقررة باتفاقاتها التحكيمية التى أبرامها بصدد المعاملات التجارية الدولية الخاصة.                                              (د) مصر:                                                                                     

قرر قانون التحكيم المصرى 1994 صراحة أهلية الدولة أو الأشخاص المعنوية العامة اتفاق التحكيم ,وذلك عندما نص فى مادته الأولى سريان القانون على كل تحكيم سواء كان بين أطراف القانون الخاص أو أطراف القانون العام أيا كانت طبيعة العلاقة القانونية التى يدور حولها النزاع اذا كان التحكيم يجرى فى مصر,أو كان تحكيما تجاريا دوليا يجرى فى الخارج واتفق أطرافة على اخضاعه لاحكام هذا القانون .                                                                             

وبهذا فصار التحكيم مالوفا لحل المنازعات التى تكون الدولة أو احد الأشخاص المعنوية العامة طرفا فيها ,ولا خلاف على ذلك بالنسبة للتحكيم التجارى الدولى سواء تم فى مصر أو فى الخارج , وهكذا فان الاتجاه السائد يقرر أهلية الدولة والأشخاص المعنوية العامة لابرام اتفاقات التحكيم ,حيث لا تثور مسألة الحصانة القضائية للدولة وأشخاصها المعنوية العامة أمام التحكيم بالقدر نفسه أمام القضاء الوطنى فى الدول الأخرى ,حيث تجد الدولة فى التحكيم نظاما  اخر تهرب به من اللجوء للقضاء الوطنى فى الدول الأخرى . اذ المحكم لا يصدر قضاءه باسم الدولة التى ينعقد على اقليمها التحكيم, ولكنه يضطلع بمهمة الفصل فى النزاع والمعهودة اليه بواسطة أطراف اتفاق التحكيم ,فالدولة اذا قبلت الدخول كطرف فى اتفاق فانه لا ينبغى لها الدفع بحصانتها القضائية أمام هيئة التحكيم,ان مسألة عدم التعارض وعدم التنافر بين فكرة التحكيم,وفكرة الحصانة القضائية للدولة هى مسألة متفق عليها فقهيا,بخلاف التردد الحاصل عندما يتعلق الأمر بهذه الحصانة القضائية أمام المحاكم الوطنية فى الدول الأخرى .

ان الدولة فى كل من فرنسا ,وانجلترا ,والولايات المتحدة الأمريكية,ومصر ,وكذا الأشخاص المعنوية العامة لها سلطة ابرام اتفاقات التحكيم ,وهذه السلطة- كما راينا- مقررة أحيانا بموجب نصوص تشريعية ,وأحيانا أخرى بموجب الأحكام القضائية والاراء الفقهية.هذه السلطة لابرام اتفاقات التحكيم تختص باتفاقات التحكيم بشأن المنازعات التجارية أو منازعات القانون الخاص والناشئة عن ممارسة الدولة أو الشخص المعنوى العام لانشطة تجارية من نفس النوع الذى تمارسه الأشخاص الخاصة                                       ولكن تبقى مسألة هامة : وهى المتعلقة بتدخل القضاء الوطنى فى التحكيم التجارى ,هذا التدخل الذى يأخذ أشكالا عديدة منها : التنازل من قبل الأطراف عن التمسك باتفاق التحكيم والدفع باختصاص القضاء الوطنى ,وكذلك عقد المدعى الاختصاص للمحاكم الوطنية قبل اللجوء للتحكيم وذلك للمنازعة على سبيل المثال فى صحة اتفاق التحكيم أو فى صحة اختصاص المحكمين.كذلك فان تدخل القضاء الوطنى فى الاجراءات التحكيمية ليس مستبعدا وخاصة فيما يتعلق باتخاذ الاجراءات التحفظية أو ادارة الأدلة حيث  يمكن للمحكمين طلب التقرير من المحاكم الوطنية حول نقطة معينة أو حول النزاع برمته, وكذلك قد يتم اللجوء للقضاء الوطنى لتعين المحكمين فى حالة  فشل أو تقصير من كان يجب علية تعين محكمه فى وقت محدد ,وطلب الطرف الاخر أن تقوم المحكمة الوطنية بهذا الدور ,وأخيرا قد يكون تدخل القضاء الوطنى فى التحكيم بعد انتهاء الاجراءات التحكيمية بصدور حكم التحكيم حيث يملك التحكيم بعد انتهاء الاجراءات التحكيمية بصدور حكم التحكيم حيث يملك الاطراف حق اللجوء للمحاكم الوطنية لممارسة حقهم فى الطعن على حكم التحكيم .

 فى هذه الحالات السابقة ,والتى تقرر امكانية تدخل القضاء الوطنى فى التحكيم الذى تكون الدولة أو أحد الأشخاص المعنوية العامة طرفا فيه ,واذا كان من المتفق علية أنه لاينبغى للدولة الدفع بحصاتها القضائية أمام هيئة التحكيم ,طالما أبرمت اتفاق تحكيم ,فيثور التساؤل عما اذا كانت الدولة بابرامها اتفاق التحكيم قد تنازلت – أيضا – عن حصانتها القضائية أما القضاء الوطنى عندما يتدخل فى العملية التحكيمية .                                        

لدينا فى الاجابة على هذا التساؤل اتجاهان:                                           

يقضى الاتجاه الاول:بأن ابرام الدولة أو الشخص المعنوى العام لاتفاق التحكيم يترتب عليه التنازل الضمنى من قبل هذه الدولة عن حصانتها القضائية – أيضا- أمام القضاء الوطنى اذا تدخل فى العملية التحكيمية .                                                                                     

 فقد قررت الاتفاقية الأوربية للحصانات الدولية 1972 فى مادتها الثانيه عشرة فى فقرتها الأولى لأنه :”اذا قبلت الدولة كتابة اللجوء للتحكيم فى المنازعات الناشئة- أو التى ستنشأ عن المواد المدنية والتجارية فلا يمكنها التمسك بحصانتها القضائية أمام محكمة فى دولة أخرى متعاقدة يقع بها محل التحكيم أو يحددها قانون التحكيم “وكذلك ورد نص مشابه فى المادة التاسعة من القانون الانجليزى للحصانة القضائية 1978 م.                                              

كما  قضى فى انجلترا بأن :”الحكومة الأجنبية الداخلة فى معاملات تجارية مع تجار انجلترا سواء أكانت هذه المعاملات بيعا وشراء لبضائع أو ايجارا واستئجارا لسفن ,فانها بذلك تكون قد دخلت السوق التجارى العالمى ,وبالتالى فعليها أن تلتزم بقواعد هذا السوق.ان الدولة الأجنبية ينبغى عليها احترام التزاماتها مثل باقى التجار الاخرين ,ولو قصرت فى القيام بالتزاماتها فانها يجب أن تخضع لنفس القوانين التى يخضعون لها , وأمام نفس المحاكم التى يقفون أمامها حيث لاتوجد قاعدة قانونية دولية تعطى الدولة أو أشخاصها المعنوية العامة حق الاحتجاج بحصانتها القضائية فى مثل هذه الحالة”.                   واذا كان القانون الامريكى للحصانات القضائية الدولية 1976 لم ينظم صراحة هذه المسألة .الا أن القضاء الأمريكى يسير فى نفس الاتجاه الذى يستخلص من ابرام الدولة لاتفاق التحكيم تنازلها الضمنى عن حصانتها القضائية سواء أمام القضاء التحكيمى ,أم القضاء الوطنى عند تدخله فى سير التحكيم,فطالما وافقت الدولة على الدخول كطرف فى الاتفاق التحكيمى فعليها الالتزام بالاجراءات التحكيمية سواء أمام القضاء التحكيمى ,أم القضاء الوطنى ,وعليها السير فى التحكيم حتى يحقق غايته من تنفيذ للحكم التحكيمى الصادر دون التمسك بالحصانة القضائية ضد تنفيذه طالما تنازلت هذه الدولة قبلا عن حصانتها القضائية بابرام اتفاق التحكيم .

هذا والاتجاه الاخر يأتى القضاء والفقه الفرنسيان:                             

فالقضاء الفرنسى يقرر أن ادراج شرط التحكيم فى العقد الذى تكون الدولة أحد أطرافه لا ينهض دليلا أتوماتيكيا للقول بأن الدولة قد تنازلت عن حصانتها القضائية أمام القضاء الوطنى ,ولكن يجب ترك الأمر لقاضى الموضوع ليقدر- وفق ظروف الحال – ما اذا كانت الدولة بابرامها اتفاق التحكيم قد تنازلت أولا عن حصانتها القضائية فى مواجهته,وذلك بالبحث فى شرط التحكيم المبرم بواسطة الدولة :فاذا كان الشرط يعلن بوضوح عن تنازل الدولة عن التمسك بحصانتها القضائية أمام القضاء الوطنى لاتفاق تحكيم دليلا على تنازلها عن حصانتها أم القضاء الوطنى .

كذلك من المتفق عليه فى الفقه الفرنسى أن توقيع الدولة على شرط التحكيم ينهض دليلا على اختصاص المحكمة التحكيمية ,أو اعلانا لتنازل الدولة عن حصانتها القضائية أمام هذه المحكمة التحكيمية فقط ,ولكن على العكس لا ينهض بالضرورة دليلا على التنازل منها عن حصانتها القضائية أمام القضاء الوطنى أيضا.                                                        

ان الدولة- بابرامها اتفاق التحكيم – فانها – وبموضوع هذا الاتفاق- تستبعد تدخل المحاكم الوطنية مريدة العهود بالنزاع الى محكمين ,وبالتالى فطالما أن هذا الاتفاق على التحكيم يعبر عن ارادة الدولة التى طرفا فيه,فانه يرخص فقط بافتراض أن هذه الدولة قد قبلت باللجوء للتحكيم التنازل عن التمسك بحصانتها القضائية أمام محكمة التحكيم فقط,وليس أمام المحاكم الوطنية الا اذا أعلنت الدولة تنازلها – أيضا وبوضوح – عن التمسك بحصانتها وشرط التحكيم بدخول الدولة طرفا فيه لا ينهض دليلا على قبول الدولة لاختصاص المحاكم العادية الا لو ظهر ذلك واضحا من فحص شرط التحكيم .                                                      وهذا رأينا اتفاقا حول أهلية أو سلطة الدولة أو أشخاصها المعنوية العامة لابرام اتفاق التحكيم ,ولكن بقيت المسألة الهامة- والتى هى تدخل القضاء الوطنى فى التحكيم – مختلفا عليها فى كل من انجلترا والولايات المتحدة من ناحية وفرنسا من ناحية أخرى .                            

ونميل للاتجاه الفرنسى لما ذكره من أسباب ,ونرى أنه يجب على الدول – وبالأخص الدول النامية ومع ازدياد اللجوء الى التعاملات التجارية أن تتوخى الحذر عند ابرام اتفاق تحكيم تجارى ,وأن تتبصر عواقبه,وبالأخص ما اذا كان هذا التحكيم قد يؤدى مستقبلا الى تدخل القضاء الوطنى ,ودراسة الوضع القانونى فى كل من انجلترا والولايات المتحدة,حتى لا تبرم الدولة اتفاق التحكيم ثم تفاجأ بعواقبه من تدخل القضاء الوطنى ,هذه العواقب لم تكن لتخفى فى قوانين هذه الدول الكبرى التى لها السيادة فى مجال التحكيم التجارى الدولى .

(ثانيا):سلطة الوكيل فى ابرام اتفاق التحكيم:

الوكالة عمل دائم الحدوث فى التجارة الدولية ,اذ طالما أن اتفاق التحكيم يعد عملا قانونيا,فليس هناك من ضرورة لأن يبرمه ذووا الشأن بأنفسهم ,ولكنهم يملكون توكيل غيرهم فى ابرام هذا الاتفاق نيابة عنهم كالوكيل البحرى أوالسمسار البحرى أو قبطان السفينة أو المحامى أو المستشار القانونى أو غيرهم من المفوضين اتفاقا فى ابرام اتفاق التحكيم .

ونتساءل عن طبيعة هذا التفويض؟ وما اذا كان تفويضا عاما أم تفويضا خاصا بابرام اتفاق التحكيم ؟

 للوكيل الاتفاقى فى فرنسا , وانجلترا , والولايات المتحدة الأمريكية , ومصر ان يبرم اتفاق التحكيم نيابة عن موكلة شريطة أن يكون مفوضا فى ابرام هذا الاتفاق بموجب توكيل خاص . فاذا كان وكيلا عاما ,أو وكيلا خاصا بشأن تصرف اخر امتنع عليه ابرام اتفاق التحكيم ,وذلك لخطورة اتفاق وما يترتب عليه من اثار.                                              

وعلى هذا الأساس فأن الوكالة المقررة للجوء الى التوفيق وهو الذى لا ينهى النزاع ولا يمنع من اتخاذ الاجراءات القضائية لاحقا ,لاتعطى الحق فى ابرام اتفاق التحكيم.   

انتهت المذكرة التمهيدية فى التحكيم التجارى الدولى

مع تمانياتنا بالتوفيق ,,,

هيئة مستشارى التحكيم الدولى